حسن الأمين
131
مستدركات أعيان الشيعة
فليس للقديم سوى هاتين الخاصتين ، وهما في الحقيقة واحدة ، وذلك أن الوجود له هو الصفة التي بها أوجد آثاره ، أي أن وجوده تضمن أن يكون علة لوجود المحدثات . ولما حدثت الطبيعة عن الجوهر الأول - وهو العلة الأولى - حدث عنها شيئان ضدان : هما الحركة والسكون ، أما الحركة فهي من الطبيعة محيطها ، وأما السكون فهو منها المركز ، لهذا كان بين الحركة والسكون ما بين المحيط والمركز من تباعد وتضاد ، ولهذا التباين بينهما تباينت صفاتهما : فللمحيط الصفاء والخير والحسن والجمال والنور والبهاء ، ومن ثم فهو أقرب جوانب الطبيعة إلى الله ، والفرق بينهما هو أن الجوهر القديم لم يكن محتاجا إلى الحركة ، وأما الكائنات التي هي في محيط الطبيعة فمحتاجة إلى الحركة ، وإنما تحركت حركتها لمنفعة الإنسان ، الذي خلق بطبعه مفتقرا إلى اجتلاب المنافع ودفع المضار ، ففي الإنسان شهوة ترغب في شيء وتنفر من شيء . على أن الإنسان يسير بشهوته في أحد طريقين : فاما هي شهوة يشتاق بها أشياء خسيسة ، وأما هي شهوة يتطلع بها إلى ما هو صاف رفيع ، ولكي يجعل الجوهر القديم طريقا مفتوحة أمام شهوة الإنسان أن تتجه إلى الصفاء والخير ، فقد جعل في الأفلاك شوقا ، حتى يمكن الاتصال بين المتجانسين : وأعني بهما الشوق عند الإنسان والشوق عند الأفلاك ، ليتصل الشوق بالشوق ، ويغلب أحدهما الآخر ، لأن في أحدهما حركة وفي الآخر سكونا ، والحركة تغلب السكون . وإذا وصل الإنسان نفسه بالأعلى ، بلغ من العلم غايته ، « فو حق سيدي إنه لغاية العلم ، ولو شئت لبسطته فيما لا آخر له من الكلام ، ولكن هذه الكتب - يا أخي - معجزات سيدي ، وليس - وحقه العظيم - يظفر بما فيها من العلم إلا أخونا ، فاما من سواه من إخواننا الذين لم ندخر هذا من أجلهم ، ولا صنفناه لهم ، فإنما يظفر منها بما ظهر من علومنا فيها ، وصنائعنا التي صنعناها وأودعناها إياها ، وأما غير هؤلاء من الأضداد والسفلة والأراذل والسفهاء المظلمي النفوس الأقذار العقول فما يزيدهم الله بها عمى وضلالة وجهلا وبلادة . . . » . بين العلم والخرافة فعل الطلاسم : الطلسمات عند جابر علم من العلوم المعترف بها . بل أنها لعلم ذو أهمية بالغة ، لأنه بالطلسم يخرج العالم ما يريد إخراجه من أشياء كانت كوامن ، وظهورها مرهون بفعل الطلسم الفعال ، وإنما يتم فعل الطلسمات عن أحد طريقين : فاما عن طريق المماثلة وأما عن طريق المقابلة . والمماثلة هي مشاكلة الأشياء بعضها إلى بعض ، كمماثلة الكبريت للنار ، والمقابلة هي مباينة الأشياء بعضها لبعض ، وبعدها عنها ومنافرتها لها ، والمثيل إنما يستخدم لاستجلاب مثيله ، وأما المقابل فيستخدم لابعاد مقابله ، والاستجلاب والإبعاد كلاهما فعل الطلسمات . والمماثلة والمقابلة تكونان في طبائع الأشياء الأولية : الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة ، فالحرارة تماثلها حرارة وتقابلها برودة ، واليبوسة تماثلها يبوسة وتقابلها رطوبة ، وليست هذه الطبائع الأربع من منزلة واحدة ، بل أن منها اثنتين فاعلتين هما : الحرارة والبرودة ، واثنتين منفعلتين هما : اليبوسة والرطوبة ، وذلك لأن الحرارة أسبق منطقيا من اليبوسة ، والبرودة أسبق منطقيا من الرطوبة . فالمماثلة بين الأشياء تكون على مرتبتين : 1 - مماثلة في الكيفيتين الفاعلتين ، وهي أقوى من المماثلة التي تكون في الكيفيتين المنفعلتين ، أي أنه لو كان عندنا شيئان : أحدهما حار يابس والآخر حار رطب ، كان هذان الشيئان متماثلين في الحرارة ، وهي كيفية فاعلة ، ولذلك فالتماثل بينهما أقوى مما يكون بين شيئين : أحدهما حار يابس والآخر بارد يابس ، إذ المماثلة هنا تكون في اليبوسة التي هي كيفية منفعلة . 2 - الأشياء التي تتماثل بالطرفين معا - الفاعل والمنفعل - أقوى مماثلة من الأشياء التي تتماثل بطرف واحد ، فالنسبة بين شيئين : أحدهما حار يابس والآخر حار يابس كذلك ، هي أوثق عرى وأمكن صلة من النسبة بين شيئين : أحدهما حار يابس والآخر حار رطب ، ومن النسبة بين شيئين آخرين : أحدهما حار يابس والآخر بارد يابس . وكذلك قل في المقابلة ، فهي أيضا على مرتبتين : 1 - فالأشياء التي تتقابل بالكيفية الفاعلة أقوى مباينة من الأشياء التي تتقابل بالكيفية المنفعلة ، فالتباين بين الحار اليابس والبارد اليابس أشد وأقوى وأمكن من التباين بين الحار اليابس والحار الرطب . 2 - والأشياء التي تقابل بالطرفين معا ، يكون التباين بينهما أقوى وأمكن من الناحية التي تتقابل بطرف واحد ، فالتباين بين شيئين : أحدهما حار يابس والآخر بارد رطب ، أبعد من التباين الذي يكون بين الحار اليابس من جهة والبارد اليابس من جهة أخرى ، أو بين الحار اليابس من جهة والحار الرطب من جهة أخرى ( 1 ) . قلنا أن الطلسمات يكون فعلها أما استجلابا واستكثارا لما يراد استجلابه واستكثاره ، وأما نفيا وإبعادا لما يراد نفيه وإبعاده . وطريق الاستجلاب هو المماثلة ، وطريق الإبعاد هو المقابلة ، فإذا أردت استجلاب شيء ، كالعقارب والحيات والضفادع والسمك والناس والوحوش ، كان عليك أن تماثل بين صفة الشيء المطلوب وبين الكواكب والبروج ، وأما إذا أردت أن تبعد شيئا كان تطرد عن مدينة ما كل ما فيها من عقارب أو حيات أو ضفادع إلخ ، كان عليك أن تباين بين الشيء المراد إبعاده وبين الكواكب والبروج ، فللكواكب والبروج طبائع أسلفناها لك في حينها ( 2 ) ، وكذلك لكل شيء طبائعه ، وإنما تكون المماثلة والمباينة بين هذه الطبائع وتلك ، إما مباشرة وإما بوساطة عقار يعد لذلك .
--> ( 1 ) كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل ، مختارات كراوس ، ص 77 - 78 . ( 2 ) راجع الفصل السادس .